أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

362

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ : « ولا يظهر لي هذان الاحتمالان » . قلت : يعني ابن عطية بقوله : « الذكر نفسه » أي : نفس الموصول مراد به المصدر ، كأنه قال : فلما نسوا الذكر الذي ذكروا به . وبقوله : « ما كان فيه الذكر » : نفس الشيء المذكر به الذي هو متعلق للذكر ، لأن ابن عطية لما جعل « ما » بمعنى « الذي » قال : « إنها تحتمل الوقوع على هذين الشيئين المتغايرين » . قوله : بِعَذابٍ بَئِيسٍ قرأ نافع وأبو جعفر وشيبة « بيس » بياء ساكنة وابن عامر بهمزة ساكنة ، وفيها أربعة أوجه : أحدها : أن هذا في الأصل فعل ماض ، سمّي به فأعرب ، كقوله - عليه الصلاة والسّلام - : « أنهاكم عن قيل وقال » « 1 » ، بالإعراب والحكاية ، وكذا قولهم : « مذ شبّ إلى دبّ ، ومذ شبّ إلى دبّ » « 3 » فلما نقل إلى الإسمية صار وصفا ك نضو ، ونقض . والثاني : أنه وصف وضع على « فعل » ، ك حلف . الثالث : أن أصله « بَئِيسٍ » كالقراءة المشهورة ، فخفف الهمزة ، فالتقت ياءان ، ثم كسر الياء اتباعا ، ك رغيف ، وشهيد ، فاستثقل توالي ياءين بعد كسرة ، فحذفت الياء المكسورة ، فصار اللفظ « بيس » وهو تخريج الكسائي . الرابع : أن أصله « بئس » بزنة « كتف » ، ثم أتبعت الباء للهمزة في الكسر ، ثم سكنت الهمزة ، ثم أبدلت ياء ك بير ، وذيب . وأئما على قراءة ابن عامر فيحتمل أن يكون فعلا منقولا ، وأن يكون وصفا ، ك حلف . وقرأ أبو بكر عن عاصم « بيئس » بياء ساكنة بين باء وهمزة مفتوحتين ، وهو صفة على « فيعل » ، ك « ضيغم ، وصيرف » وهي كثيرة في الأوصاف . قال امرؤ القيس بن عانس الكندي : 2337 - كلاهما كان رئيسا بيسا * يضرب في يوم الهياج القونسا « 2 » وقرأ باقي السبعة « بَئِيسٍ » بزنة « رئيس » ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه وصف على « فعيل » ، ك « شهيد » ، وهو للمبالغة ، وأصله فاعل . والثاني : أنه مصدر وصف به ، أي : بعذاب ذي بئيس ، ف « بَئِيسٍ » مصدر ، مثل النّذير ، والنّكير ، والعزيز . ومثل ذلك في احتمال الوجهين قول أبي الإصبع العدوانيّ : 2338 - حنقا عليّ ولا أرى * لي منهما شرّا بئيسا « 3 » وهي أيضا قراءة عليّ ، وأبي رجاء . وقرأ يعقوب القارئ « بئس » بوزن « شهد » ، وقرأها أيضا عيسى بن عمر ، وزيد بن عليّ . وقرأ نصر بن عاصم « بأس » بوزن « ضرب » فعلا ماضيا . وقرأ الأعمش ومالك بن دينار « بأس » فعلا ماضيا وأصله : « بئس » بكسر الهمزة ، فسكنها تخفيفا ، ك « شهد » في قوله : 2339 - لو شهد عادا في زمانه تبّع « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 327 ) ، والدارمي ( 2 / 219 ) . ( 2 ) تقدم وانظر البحر المحيط ( 4 / 413 ) . ( 3 ) انظر تفسير الطبري ( 13 / 201 ) ، البحر المحيط ( 4 / 413 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 231 ) . ( 4 ) تقدم .